pregnancy

الملكين هاروت و ماروت

 
قصة اختبار الله لهاروت و ماروت:

هاروت وماروت  اسمان أعجميان لملكين من الملائكة، وقيل لملكين من ملوك بابل كانًا معاصرين لنبي الله إدريس (ع)، وقيل: كانا بعد نبي الله نوح(ع). وكلمة هاروت تعني الخصام، وماروت معناها: السيادة والسلطة. يقال: إن الله أرسلهما إلى الأرض في صورة بشر، وأمرهما بالاجتناب عن المعاصي والذنوب كالشرك وشرب الخمر والزنا وقتل النفس المحترمة بغير حق وغيرها من المعاصي، وذلك لاختبارهما؛ لأنهما كانا من أشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم (ع) لمعاصيهم وذنوبهم. ولما هبط الملكان على الأرض في بابل صادفا امرأة حسناء تدعى زهرة،  وقيل: اشتهار، وقيل: ناهيد، وقيل: نعمى، وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل فواقعاها بصورة غير شرعية، وفي أثناء مواقعتهما لها زاحمهما رجل فقتلاه، ثم أمرتهما بالسجود لصنم كانت تعبده، فأجاباها إلى ذلك وأشركا بالله وسجدا للصنم، وقدمت لهما خمرا فشرباه حتى سكرا. وبعد اقترافهما لتلك الذنوب التي نهوا عنها خيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فزج بهما في أحد سجون بابل، فأخذا يعلمان الناس السحر، وقيل: ألقاهما في بئر بمدينة دماند، وقيل: نهاوند، وقيدا بالسلاسل، وقيل: عاقبهما الله بأن رفعهما من الأرض إلى الهواء وعلقهما فيه منكسين إلى يوم القيامة، ويقال: إنهما قيدا بالسلاسل في بئر بأرض بابل، وسيبقيان على تلك الحالة إلى يوم القيامة. يقال: إن هاروت كان يدعى في السماء عزًا، وماروت كان يدعى عزابيا، فلما هبطا إلى الأرض وأذنبًا بدل الله إسميهما إلى هاروت وماروت.

 و الان مع ما انزل على هاروت و ماروت:
قال تعالى :
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}
[البقرة: 102] . 
في الألفية الخامسة ق.م كانت بداية الحضارة السومرية في بلاد الرافدين ، حيث كوَّن السومريون العبيديون بجنوب العراق المدن السومرية الرئيسية كأور عاصمة "بابل" ونيبور ولارسا ولجاش وكولاب وكيش وإيزين وإريدو و أد .

و اشتهرت بابل في ذلك الوقت بممارسات كثير من الطقوس و التعاليم السحرية ، ففي تلك الفترة تقريباً ـ على الأظهر ـ أنزل الله الملكين هاروت وماروت بمدينة بابل لتعليم الناس السحر ابتلاءً من الله عز وللتمييز بين السحر والمعجزة ، حتى يتبين للناس صدق الرسل و الأنبياء و كذب الدجاجلة و السحرة ، و في إنزال السحر على يد الملكين في بابل يقول الله تعالى عن اليهود الذين جاؤوا من بعد نزول الملكين "هاروت و ماروت" بِمُددٍ طويلةٍ .
و انتشر السحر في بابل منذ أيام السومريين ، و بما أنه من المشهور تاريخيا أن السحر بدأ في بلاد فارس في الألف الخامسة قبل الميلاد على يد كاهن يسمى "زورستر" ويعتبر هذا الساحر واضع طرق السحر وأسسه التي سار عليها الكنعانيون والمصريون والهنود وغيرهم ، فالأرجح أن يكون زورستر قد أخذ ذلك عن أهل بابل ، إذ ان البابليين السومريين"العبيديين" هاجروا الى مرتفعات ايران بسبب الفيضانات السنوية التي كانت تهدد حياتهم ومزروعاتهم ونقلوا معهم تقاليدهم في بناء المنازل . و استمرت 400 سنة حتى انحسرت مياه الفيضان عن جنوب وادي الرافدين .

ـ و في القرن العشرين قبل الميلاد، و في عهد الكلدانيين عاش إبراهيم الخليل عليه السلام ، و كان السحر قد استشرى في أهل بابل حتى ضرب المثل في إتقان السحر بحكماء و كهنة و سحرة بابل ، الذين كانوا قوماً صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة ، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها ، وعملوا أوثاناً على أسمائها ، وجعلوا لكل واحد منها هيكلاً فيه صنمه ، ويتقربون إليها بضروب من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقه ذلك للكوكب الذي يطلبون منه بزعمهم إليه بما يوافق المشتري من الرُّقى والعُقَد والنفث فيها ، ومن طلب شيئاً من الشر والحرب والموت والبوار لغيره تقرب بزعمهم إلى زحل بما يوافقه من ذلك ، ومن أراد البرق والحرق والطاعون تقرب بزعمهم إلى المريخ بما يوافقه من ذبح بعض الحيوانات .

و قد اتخذت تلك الاساطيرو الخرافات السومرية والبابلية و ما خالطها من الشعبذات و الطلاسم و الممارسات السحرية عدة امتدادات دينية و عرقية خلال مساراتها التاريخية ، و للتأمُّل يلاحظ ـ مثلاً ـ أن طقوس التعميد ـ و هي طقوس تنشأ في المجتمعات التي تعيش على ضفاف الأنهار الكبيرة كنهر الغانج في الهند ، و كذلك الحضارات القديمة في بلاد الرافدين ـ قد تسربت إلى كل من الصابئة و اليهود و النصارى مع كثير من الطقوس و التعاليم الطوطمائية عن طريق الثقافة البابلية.

و من تلك الامتدادات التاريخية الشهيرة :


1ـ الامتداد التاريخي من خلال تلك الحضارات المعاصرة أو التالية للحضارة البابلية كالحضارة الفرعونية مثلا و كذلك الفينيقيين و التدمرييين .

2ــ الامتداد المندائي من خلال فرقة الصابئين المندائيين ، و التي تسربت عبرها كثير من تلك الطقوس و التعاليم ، و إن كان أكثرها ينحصر في عالم الأفلاك و مخاطبة النجوم ، و الذي اشتهرت به تلك الطائفة ، و قد انتقلت بعض تلك المارسات إلى بعض الطوائف الاسماعيلية .

3ـ الامتداد التوراتي في الديانة اليهودية من خلال الشروحات التلمودية للتوراة .

4ـ الامتداد التوراتي في الديانة االنصرانية من خلال شروحات العهد الجديد "الانجيل" ، و هذه أقل الامتدادات ، و إن كانت نظهر جليا في الطائفة السريانية " الآرامية".

5ـ الامتداد التوراتي من خلال الطائفة القبالية "طائفة الكابالا" في الديانة اليهودية و كتابها الأسود المعرروف بـ "الزوهار".

و الكابالا فرقة أو مذهب يهودي يقوم على تفسيرات باطنية للأفكار التلمودية من التعاليم الغيبية و الروحانية والتي تشتمل على السحر والممارسات الصوفية ، ولا يرفض اليهود هذه التعاليم بل يعتبرونها الحلقة الداخلية التي لا يكشف عنها "للاغيار" والتي تعبر عن التقوى والولاء في ديانتهم.

وقد سميت أول أمرها: الحكمة المستورة، ومن ثم بات اسمها القبالة؛ والكلمة من أصل آرامي ومعناها القبول أو تلقي الرواية الشفهية. ومن أهم الشخصيات التي كونت الخطوط العريضة للكابالا : سمعان بن يوشاي من القرن الثاني الميلادي، وقد اختفى عن الأنظار مدة في مغارة ومن ثم خرج عليهم ليقول: إن أسراراً قد كشفت له، وأنه قد حصَل له شكلٌ من الكشف أو الإلهام.

و قد تأثرت القبالة بفلسفات هندية وفارسية ويونانية إشراقية، كما أنها أخذت بفكرة الانتظار. وفكرة القبالة تشق طريقها بقوة بين اليهود بدءاً من القرن الثالث عشر الميلادي، وقد ظهرت مجموعة نصوص عندهم جمعوها في كتاب أو سفر سموه: زوهار. والزوهار كلمة آرامية معناها النور أو الضياء، وقد دون الزوهار بالآرامية موسى اللبوني (1250 م ـ 1305 م) في اسبانيا، في التعليق على الكتاب المقدس إلا أن قسماً كبيراً من هذه النصوص تعود إلى القرن الثاني الميلادي مع سمعان بن يوشاي يضم ذروة فكر" الكاباليين" ، و يوجد مركز الكابالا الآن في لوس انجلوس ، كما يقيم الزعيم الروحي لطائفة الكابالا الحاخام فيليب بيرغ في مدينة نيويورك.

ورثة سحر بابل :


لم يشتغل أناس بالسحر مثلما اشتغل بنو إسرائيل، اليهود، على مدار تاريخهم منذ موسى عليه السلام ، رغم أن الله عز و جل حرم عليهم الاشتغال بالسحر ، كما في توراتهم ، إذ قبل موسى عليه السلام كان بنو اسرائيل وثنيين ، يعبدون تماثيل من حجر أو خشب، حتى أنهم عبدوا العجل في وقت موسى عليه السلام ، وكانت الشياطين تكلم الناس وهم لا يرونهم ويتلبسون بهم ويصرعونهم ، فكان بنو اسرائيل يستغيثون بالتماثيل و كهنتها ، ويطلبون من القائمين عليها عمل أي شيء يشفيهم من أمراضهم، ولما ازداد اعتقاد الناس فيهم ادعى الكهنة أنهم يعلمون الغيب ويحددون ويعرفون مواقع النجوم وقادرون على تغيير النحس الى السعد وطرد الأرواح الشريرة المتلبسة الأجساد ، مما روج كثيرا للسحر بين بني اسرائيل . 

وفي عهد سليمان عليه السلام كان السحر متفشياً في بني اسرائيل ، فجمع سليمان كتب السحر والكهانة ودفنها تحت كرسيه ، فلم يستطع أحد من الشياطين أن يدنو من الكرسي فلما مات سليمان ، وذهب العلماء الذين يعرفون الأمر ، جاء الشيطان في صورة إنسان فقال لليهود ، هل أدلكم على كنز لا نظير له ؟ قالوا نعم ، قال : فاحفروا تحت الكرسي فحفروا – وهو متنح عنهم – فوجدوا تلك الكتب ، فقال لهم : إن سليمان كان يضبط الإنس والجن بهذا ، ففشا فيهم أن سليمان كان ساحراً ، و لذلك لما نزل القرآن بذكر سليمان في الأنبياء ، أنكرت اليهود ذلك ، وقالوا إنما كان ساحراً ، فنزل قوله تعالى : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) " سورة البقرة – الآية 102 .

و في السبي البابلي ازداد اشتغال بني اسرائيل "المسبيين" بالسحر لِما رأوا من ضيق العيش بعد أن كانوا في سعة من المال ، فتعلموا أعمال السحر والتنجيم من البابلين ، بل زادوا عليهم في ذلك ، فكانوا يعملون هناك في السحر ا، كما احتالوا على أهل بابل بأن زعموا : أن نبي الله سليمان عليه السلام كان يسخر الجن ـ بكتاب في السحر ـ في بناء التماثيل والمعابد والمدن ، ولم يبينوا لهم أن الله عز و جل هو الذي سخر الجن لنبيه عليه السلام.

ثم وضع اليهود كتبا شحنوها بالسحر مثل التلمود و شروحاته المختلفة ، و كذلك كتاب الزوهار الخاص بالقبالة ، و هو في أنواع السحر التي استقوها من البابلييين و كذلك من تاريخهم الوثني ، بل زوَّروا مزمورا خاصاً بعمل السحر أدرجوه في المزامير ففي سفر الزبور "مزامير داود" الموجود في "الكتاب المقدس" المنسوب الى داود عليه السلام وهو عبارة عن مائة وخمسين قطعة تزيد واحدة فيكون العدد مائة وإحدى وخمسين و هذا المزمور الزائد خاص بالسحر و لا توجد هذا المزمور الزائد رقم 151 إلاَّ في النسخة القبطية.

و قد انتقلت كثير من الميثولوجيا و الأساطير و العقائد الوثنية مع السحر من البابليين إلى بني اسرائيل ، و قد أشار القرآن الكريم إلى تأثر اليهود بمن كان قبلهم في قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بافواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله انى يؤفكون } سورة التوبة - سورة 9 - آية 30.

شكرا لتعليقك